هناك رجالٌ يمرّون بالكلمات، وهناك رجالٌ تمرّ الكلماتُ بهم، فتخرج أدقَّ، وأوضحَ، وأبقى.
أبي… كلَّ هذه الأعوام، وأنت تميلُ على كلمة، تردُّها إلى أصلها، وتسألها في أناة: أهذا معناكِ؟ وهل أدّيناكِ بأمانة؟
عرفتَ أنَّ كلمةً تستقرُّ في موضعها قد تفتحُ بابَ علم، وأنَّ معنىً يُصان قد يصلُ بين عقلين، وبين لغتين، وبين جيلين.
من مقطع لحجار بدأت الرحلة؛ فتًى يحملُ السؤال، ثم القاهرةُ، والألسنُ، وعالمٌ تلتقي فيه اللغات، ويجدُ المعنى أكثرَ من سبيلٍ إلى النور.
ثم الدبلوماسيةُ، والرباطُ، وسنواتُ المصطلح والتعريب، والمعجم والترجمة؛ بين ما يكتشفه العالم، وما تستطيع العربيةُ أن تمنحَه اسمًا دقيقًا، وصوتًا واضحًا، ومكانًا في المعرفة.
وحين سألوا: هل تستطيع العربيةُ أن تحمل العلم؟ أن تدخل الجامعةَ والمختبرَ؟ أن تُسمّي ما يستجدّ؟ كان جوابُك عملًا: مصطلحًا يُضبط، ومعنىً يُشرح، وكتابًا يفتحُ للقارئ بابًا.
لِلُّغَةِ رَجُلٌ، وَلِلْكَلِمَةِ أَمَانَةٌ؛ وَلِلْعِلْمِ بَابٌ، وَلِلْعَرَبِيَّةِ مَكَانَةٌ.
كم وقفتَ عند حرفٍ حتى يستقيمَ المعنى! وكم عدتَ إلى سطرٍ ليصلَ إلى القارئ أوضحَ وأوفى!
«المرشد»… و«تفصيح العامية»… و«الجمع في اللغة العربية»… و«قل ولا تقل»… طرقٌ تتعدّد، وعنايةٌ واحدة: أن يجدَ السائلُ ما يعينه، وأن تصبحَ المعرفةُ أقرب.
فالمعلّمُ الذي تعلّمنا منك لا يكتفي بأن يقول: «قد شرحتُ». بل يسألُ برفق: «هل اتّضح المعنى؟»
ثم «دليل المترجم»… خبرةٌ تتّسعُ في الصفحات، وموادُّ وأمثلةٌ وتعابير، وضبطٌ ومقابلةٌ بين لغتين؛ ليبدأَ مترجمُ الغد من الموضع الذي بلغته خبرتُك، ويمضي أبعد.
أبي… قد يرى القارئُ كتابًا، ونرى نحنُ معه صبرَك على السؤال، وإخلاصَك للجواب، وفرحتَك حين تستقيمُ العبارة.
شكرًا لليالي التي منحتَها للعلم، ولكلِّ مرّةٍ قلتَ فيها: «نستطيعُ أن نجعلَها أدقّ». وشكرًا لأنك علّمتَنا أنَّ الإتقانَ محبّةٌ تظهرُ في العمل.
أحسنوا الكلمةَ؛ فبها يتّضحُ الفكر. وأحسنوا المصطلحَ؛ فبه تنتقلُ المعرفة. وأحسنوا الترجمةَ؛ فهي جسرٌ بين العقول.
واخدموا العربيةَ بعلمٍ وعمل؛ لغةً نزل بها كتابُ الله، واتّسعت لأسئلة الإنسان، وما زالت تتّسعُ لما نبحثُه، وما نبتكرُه، وما نحلمُ أن ننجزَه معًا.
هكذا أحببتَ العربية: فتحتَ لها أبوابَ العلم، والتقنية، والجامعة، والعمل؛ لتكونَ حاضرةً في حياة الناس، وشريكةً في بناء المستقبل.
يا إسلمو، يا ابنَ مقطع لحجار، يا من جعلتَ العنايةَ بالكلمة عنايةً بالإنسان؛ ما حملتَ معجمًا ليُقال: هذا صاحبُه؛ حملتَه ليجدَ غيرُك طريقَه إلى المعنى.
لِلُّغَةِ رَجُلٌ، وَلِلْكَلِمَةِ أَمَانَةٌ؛ وَلِلْعِلْمِ بَابٌ، وَلِلْعَرَبِيَّةِ مَكَانَةٌ.
علّموا، وترجموا، واكتبوا، وابحثوا؛ واجعلوا العربيةَ لغةَ أسئلتكم، ولغةَ اكتشافكم، وواحدةً من بُناة مستقبلكم.
أبي… تمنحُنا كلَّ يومٍ ما هو أبعدُ من الاعتزاز باسمك: تمنحُنا مثالًا نقتدي به، وسؤالًا يدعونا إلى العمل: ماذا سنبني بما فتحتَه لنا من أبواب؟
سنقرأُ، ونتعلّم، ونحاول، ونحملُ هذه الأمانةَ بمحبة. أنتَ لنا الأصلُ، ونحنُ امتدادُك؛ ومن علمك نبدأ، ومعك نمضي إلى آفاقٍ أرحب.
باركَ اللهُ في عمرك وعلمك، وأدامَ لك العافيةَ وبهجةَ العطاء، وجزاكَ عن العربية وعنّا خيرًا. لكَ منّي المحبّةُ والفخرُ والامتنان، ولك في كلِّ إنجازٍ نبلغه أثرٌ لا يغيب.